الحاج حسين الشاكري
353
موسوعة المصطفى والعترة ( ع )
وهناك فيلسوف يوناني آخر عاصر أبيقور وكان له رأي مخالف لرأي معاصره ، وهو ديوجين الفيلسوف ومن مذهبه أنّ التكامل البشري ووصول الإنسان إلى الزمن الثابت الأبدي ، وبالتالي إلى الآلهة ، يتطلّبان ترك الدنيا وملذّاتها والاكتفاء بالقدر الضروري والقليل من وسائل العيش . وقد رُوي أنّه شاهد طفلا يشرب الماء بكفّيه مستغنياً عن الكأس الوحيدة المتاحة للشرب ، فقال إنّ زخارف الدنيا تحول دون الالتحاق بالآلهة . ونلاحظ أنّ هناك وجهاً مشتركاً في العرفان بين فلسفة اليونان والعرفان الشرقي ، يتمثّل في أنّ الطريق إلى اللّه يمرّ بكبح جماح النفس والنأي عن الملذّات . ولا فرق من هذه الناحية بين فكر اليونان القديم وفكر الشرق القديم ، اللّهم إلاّ في حدود هذا الامتناع ومداه . وكان من رأي بعض فلاسفة اليونان ، ومنهم ديوجين ، أنّ احتفاظ الطالب العارف بأكثر من قميص واحد يستر العورة أمرٌ لا يجوز ، وهو يقف حائلا بينه وبين الوصول إلى الآلهة . ومثل هذه الفكرة نجدها في الشرق ، ينادي بها العرفاء والصوفية . فمن أين جاء هذا التشابه أو اللقاء بين الفكرين ؟ معروفٌ أنّ الشرق لم يلتقِ باليونان قبل قيام دارا ملك الفرس الأخميني ( الهخامنشي ) في عام 460 ق . م . بالهجوم على اليونان . فهل حدث اللقاء بين الفكرين اليوناني والشرقي منذ هذا التأريخ ؟ وهل انتقلت فكرة الجهاد مع النفس للوصول إلى الآلهة من الشرق إلى اليونان ، أو عكس ذلك ؟ الواقع إنّنا لا نجد أثراً لهذه الفكرة لا في التعاليم الأصلية لكونفوشيوس في الصين ، ولا في تعاليم بوذا في الهند ، ولا في تعاليم زردشت في فارس . فلم يدعُ أحدٌ منهم إلى قتل النفس للوصول إلى مرتبة الآلهة . ولكن هذه الفكرة